• تستعرض هذه المادة السرد التاريخي والتوثيقي لأحداث عام 1924م، كما وردت في دراسة الدكتور عبد الوهاب أحمد عبد الرحمن، والمعنونة بـ “نحو تعريف جديد لثورة 1924”.
نُشرت هذه الدراسة ضمن كتاب بعنوان “الحركة الوطنية في السودان: ثورة 1924”. و هو من
تحرير د. محاسن عبد القادر حاج الصافي. و تُمثل هذه المادة جزءاً من البحوث المختارة التي قُدمت في مؤتمر علمي عالمي انعقد في جامعة الخرطوم في الثامن من يناير 1986م الذي افتتحه الدكتور الجزولي دفع الله، رئيس وزراء الحكومة الانتقالية آنذاك، وشارك فيه باحثون من السودان، ومصر، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، واليابان.
يركز هذا الجزء من النشر على سرد وقائع الثورة، متتبعاً قيام الجمعيات السرية والعلنية، وتطور الأحداث المدنية والعسكرية التي شهدها السودان في تلك الفترة التاريخية المفصلية. قمت بنقل النص من الدراسة بتصرف بسيط. و إليكم هذا النص.
جمعية اللواء الأبيض
و تذكر المصادر أيضاً أن جمعية اللواء الأبيض تفرعت أو انشقت من جمعية الاتحاد السوداني التي رأى بعض أعضائها، الأكثر صلابة، وفي مقدمتهم عبيد حاج الأمين رئيس الجمعية، أن الوقت قد حان للخروج بالعمل الوطني من السر إلى العلن ومن القول إلى العمل، فانضموا إلى علي عبد اللطيف ليكونوا جمعية اللواء الأبيض التي تمثل بداية الكفاح العلني ضد الإنجليز.
ولا يُعرف عن تاريخ حياة مؤسس الجمعية السياسي الباكر غير كراهيته للإنجليز ولحكمهم للسودان، وأنه تشاجر في واد مدني مع مفتش المركز الذي استجوبه عن سبب رفضه الوقوف له عند مروره عليه. كما تذكر بعض المصادر أنه قام بتأسيس جمعية اللواء الأبيض في مدني أثناء فترة عمله فيها آنذاك.
و بدأ نشاط علي عبد اللطيف السياسي يظهر بوضوح عندما طلب في مايو ١٩٢٢م، أثناء قضاء إجازته السنوية بالخرطوم، من رئيس تحرير جريدة الحضارة، حسين شريف، نشر مقال ضمنه “مطالب الأمة السودانية” وقد طالب في ذلك المقال الذي لم ينشر، بحق السودانيين في حكم أنفسهم، وهاجم سياسة بريطانيا في السودان، واتهمها بالسعي لفصل السودان عن مصر وبأنها لم تجلب للسودان وأهله أي منفعة، وأشار إلى الذين خطبوا ووقعوا على عرائض الولاء للحكم البريطاني، ووصفهم بأنهم “لا يمثلون إلا أنفسهم”، واحتج على إثقال كاهل السودانيين بالضرائب، وعلى عدم إنصاف الحكومة لسكان المديريات، لاسيما أهل الجزيرة، الذين انتزعت الحكومة أراضيهم لمشروع الجزيرة وسلمتها للشركات الإنجليزية، كما احتج على احتكار السكر، وعلى قلة الوظائف الممتازة واحتكارها وحرمان أهل البلاد المتعلمين الأكفاء منها، وعلى نقص وقصور التعليم في كلية غردون والمدارس الأخرى.
و تسربت محتويات المقال ووصلت إلى السلطات السودانية فقام المستر ولس، مدير المخابرات، باقتحام مكتب رئيس تحرير الحضارة في غيبته وتمكن من ضبط المقال وأخذه عنده من درج رئيس التحرير. وألقى القبض على صاحبه الملازم علي عبد اللطيف الذي قدم في ١٤ يونيو ١٩٢٢م للمحاكمة أمام محكمة الجنايات بالخرطوم بتهمة كتابة وإذاعة “منشور يثير الكراهية في نفوس الناس ويحرضهم على العمل ضدها”. وعلى الرغم من أن علي عبد اللطيف التزم الصمت، ولم يحتج على عدم سماح السلطات البريطانية للمحامين المصريين وعلى رأسهم مرقص حنا، نقيب المحامين الذين أبدوا استعدادهم للحضور للخرطوم للدفاع عنه، بالحضور للسودان لمباشرة مهامهم، فقد أدانته المحكمة وعاقبته بالسجن لمدة عام، في سجن من الدرجة الثانية، وفصل تلقائياً من الجيش بعد المصادقة على الحكم.
و اهتزت مشاعر السودانيين لهذه المحاكمة وأحاطوا الضابط السجين بعطفهم وإعجابهم وتأييدهم، وكانوا ينظرون إليه كشهيد وبطل. وبالرغم من أن المقال الذي أُدين علي عبد اللطيف لكتابته لم ترد فيه، كما جاء في تقرير “إيوارت عن حوادث ١٩٢٤م” كلمة واحدة لصالح مصر، أو المناداة بالوحدة معها، أو التأييد لمطالبها في السودان، فقد “هللت” الصحف المصرية له وأشادت به وبموقفه. إن ذنبه الوحيد هو تمسكه بالسيادة المصرية على السودان، ورأت في رفض السلطات البريطانية لحضور المحامين المصريين للدفاع عنه دليلاً على مؤامرات بريطانيا في السودان.
و عند خروجه من السجن في أبريل ١٩٢٣م، اتجهت الأنظار إليه و أضحى بطلاً وطنياً في نظر الخريجين والضباط معاً. و قام باتصالات شخصية ببعض أعضاء جمعية الاتحاد السوداني وتبادل معهم الزيارات المنزلية، وأخذ يدعوهم لتكوين جمعية سياسية علنية تعمل لتحرير السودان من النفوذ الإنجليزي والتمسك بأهداب مصر كوسيلة للخلاص من الحكم الثنائي، وتعضيد وتمكين الوجود المصري في السودان.
و تم تأسيس جمعية اللواء الأبيض بالخرطوم في مايو ١٩٢٤م برئاسة علي عبد اللطيف، وعضوية كل من عبيد حاج الأمين، صالح عبد القادر، حسن صالح المطبعجي، وحسن شريف. وباستثناء علي عبد اللطيف رئيس الجمعية، فقد كان بقية الأعضاء المؤسسين لجمعية اللواء الأبيض هم أنفسهم قادة جمعية الاتحاد السوداني، وكانوا في معظمهم من الخريجين الذين يعملون موظفين بالحكومة.
و اقتصرت عضوية الجمعية على السودانيين فقط، وكان على كل من ينضم إليها أن يؤدي قسماً يجعله خاضعاً لقوانينها ومنفذاً لأوامرها، وعليه أن يدفع رسم دخول قدره عشرون قرشاً واشتراكاً شهرياً للصرف على مطبوعات وتلغرافات الجمعية، ورعاية عائلات المقبوض عليهم من الأعضاء.
و عمد قادة الجمعية إلى تجنيد الأعضاء من بين موظفي البريد والتلغراف حتى يسهل عليهم الاتصال بفروع الجمعية المختلفة التي تكونت في معظم مدن السودان الكبيرة مثل مدني وبورتسودان وعطبرة وشندي والأبيض، ونقل أخبارها للخارج.
و احتفظت جمعية اللواء الأبيض رغم علانيتها بنظام “الخلايا” الذي كان معمولاً به في جمعية الاتحاد السوداني، لحماية الأعضاء من أعين رجال الأمن وتنسيق الاتصال بالجماهير. واتخذت الجمعية لها علماً من القماش الأبيض عليه خريطة وادي النيل وفي جانبه الأعلى، إلى اليسار، هلال صغير.
نشاط الجمعية السياسي:
ارتبط نشاط جمعية اللواء السياسي ارتباطاً وثيقاً مطرداً بنشاط وتطورات الحركة الوطنية في مصر خاصة بعد ثورة ١٩١٩م وتفاقم الخلافات بين بريطانيا ومصر حول مستقبل السودان. وبدأت الجمعية نشاطها السياسي العلني بإرسال برقية لحاكم عام السودان في مصيفه بأركويت تحتج وتستنكر فيها ما يقوم به معسكر حضارة السودان من تعاون مع الإنجليز لتنفيذ خططهم الرامية إلى “فصل السودان عن مصر”، ووضعه تحت الوصاية البريطانية، وتطالب فيها بتسجيل وجهة نظرهم حول المسألة السودانية، والتي تتلخص في رفض الوجود الإنجليزي في السودان والمطالبة بحق السودانيين في حكم بلادهم، والتضامن مع مصر، وتوثيق أواصر الوحدة بين مصر والسودان، والتعاون مع المصريين في تحقيق الجلاء عن وادي النيل.
كما قامت الجمعية في يوم ١٤ يونيو ١٩٢٤م، بإرسال برقية للبرلمان المصري بمناسبة افتتاحه وتأليف وزارة سعد زغلول تنص على الآتي: “نحن المجتمعون هنا من أهالي السودان نتقدم بإخلاصنا وولائنا لصاحب الجلالة المليك المفدى ونشارككم في هذا العيد السعيد ولا نخشى من الوعد والوعيد ولا نرضخ للنار والحديد”. و وقع على هذه البرقية نيابة عن أهالي السودان الأعضاء الخمسة المؤسسون للجمعية.
و عند نشر الصحف المصرية لهذه البرقية قامت حكومة السودان آنذاك بنقل ثلاثة من الموقعين عليها، وهم من موظفي مصلحة البريد والبرق إلى مناطق بعيدة عن الخرطوم عقاباً لهم وردعاً للآخرين. وسداً للثغرة التي أحدثتها تلك التنقلات المفاجئة أُعيد تكوين قيادة الجمعية، وانتُخب عبيد حاج الأمين الذي عُرف بنشاطه وسعة اتصالاته وكيلاً عاماً للجمعية بدلاً من صالح عبد القادر الذي نُقل إلى بورتسودان.
و في منتصف يونيو من نفس العام بعثت الجمعية الملازم أول زين العابدين عبد التام وبرفقته محمد المهدي الخليفة، ابن الخليفة عبد الله التعايشي “لعرض وثائق ولاء السودان” وثائق ولاء السودان الأعظم من الأهلين لمليك البلاد “ولتوضيح رأيهم في مستقبل بلادهم إلى الساسة المصريين حتى يكون زعيم الوفد، سعد زغلول على بينة من حقيقة الموقف في السودان ويتمكن من الدفاع عن حقوق مصر والسودان في تفاوضه الجاري آنذاك مع الحكومة البريطانية. وبالرغم من سرية عضوية الجمعية وتخفي محمد المهدي الخليفة في زي خادم تابع لزين العابدين عبد التام، فقد تمكنت السلطات السودانية آنذاك من كشف أمرهما وقامت باعتقالهما في حلفا وإعادتهما إلى الخرطوم تحت الحراسة.
ولما علم أعضاء الجمعية بأن وصولهما إلى محطة السكة الحديد بالخرطوم سيكون بعد ظهر ١٧ يونيو، توجه “حشد كبير من الجمهور”، وفي مقدمتهم علي عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين لاستقبالهما. واستُقبل القطار في محطة الخرطوم بالهتاف الحار بحياة علي عبد اللطيف وبحياة السودان الحر وبحياة مصر والملك فؤاد ملك مصر والسودان وسعد زغلول. ولكن خيبة أمل المستقبلين كانت كبيرة عندما لم يجدوا محمد المهدي الخليفة داخل القطار، واتضح لهم أن السلطات السودانية قد أنزلته عمداً، وتحسباً لما قد يحدث في الخرطوم بحري.
واحتجاجاً على هذا، وعلى الحيلولة دون سفرهما إلى مصر، بعثت الجمعية في ١٧ يونيو ١٩٢٤م، إلى رئاسة مجلس النواب المصري، ونقابة الصحفيين المصريين بالبرقية التالية:
“نحتج باسم الأمة السودانية، نسخط مر السخط على سياسة التطويق التي استعملت لمنع الوفد من السفر لعرض وثائق ولاء السودان الأعظم من الأهلين لمليك البلاد ونطالب بالإلحاح تدخل الحكومة في الأمر بكل ما أوتيت من إقدام وعطف لإيقاف حروب التنكيل، وإن الأمة المصرية قاطبة مسؤولة أمام التاريخ عن كل نازلة تحل بخدام العرش المصري أينما كانوا، وإن سفينة يدير دفتها سعد يستحيل أن تصطدم بصخر مهما كانت الزوابع والظلام.”
و كان لتلك البرقية صدى عميق في مجلس النواب المصري الذي ناقش محتوياتها ومدلولاتها في جلسته بتاريخ ٢٣ يونيو من نفس العام. وأعلن “عطفه على السودانيين جميعاً لتمسكهم الوثيق بمصر”، كما أعلن “استنكاره للمناورات المصطنعة التي يقوم بها دعاة الاستعمار في السودان… وتمسك الأمة المصرية بمبدئها الخالد وهو أن السودان جزء لا يتجزأ من مصر”.
وعلى أثر ذلك قام مجلس اللوردات البريطاني بمناقشة موضوع السودان في جلسته بتاريخ ٢٥ يونيو، وصرح اللورد بارمور نائب الحكومة بقوله: إن الحكومة البريطانية لا تترك السودان بحال وهي تقدر التعهدات الواجب تحملها والتي لا يمكن تركها من غير أن تصاب سمعة إنجلترا بخسارة عظمى، ورد سعد زغلول على هذا التصريح في مجلس النواب بجلسته بتاريخ ٢٩ يونيو بتصريح مشهور جاء فيه:
“إني بالنيابة عن الشعب المصري جميعه وفي حضرتكم الموقرة أصرح بأن الأمة لا تتنازل عن السودان ما حييت وما عاشت. وهي تسعى للتمسك بهذا الحق في كل فرصة وفي كل زمان… وإن كنا في حياتنا لا نأمل إلى أن نتمتع بحقنا فإننا نوصي أبناءنا وذريتنا أن يتمسكوا به، ولا يفرطوا فيه قيد شعرة، وهكذا يوصون هم أبناءهم وأبناء أبنائهم ولابد أن يأتي يوم يفوز فيه حقنا على باطل غيرنا……..”
وقد قوبل هذا التصريح بالتصفيق الطويل والاستحسان والشكر الجزيل والثناء من أعضاء مجلس النواب المصري.
وعلق كشه على تلك البرقية وما أحدثته من ردود فعل داخل وخارج السودان بقوله: “إن يوم ١٧ يونيو سنة ١٩٢٤، كان يوماً تحول فيه تاريخ هذه الجمعية في الداخل، وفي خارج السودان”.
و في يوم ١٩ يونيو خرجت أول مظاهرة سياسية بأم درمان نظمها أعضاء جمعية اللواء الأبيض بقيادة الشيخ عمر دفع الله عضو الجمعية. وقد بدأت هذه المظاهرة بصورة مفاجئة بعد تشييع جنازة المرحوم عبد الخالق أفندي حسن مأمور أم درمان، “وكان من الإداريين المصريين المحبوبين” وعرف بجميل الأخلاق وكريم السجايا، فسار في جنازته، كعادة السودانيين في هذه المواقف، آلاف من خاصة الناس وعامتهم.
و بعد أن أبّنه صديقه توفيق أفندي وهبي المصري قاضي محكمة أم درمان الجزئية، بخطاب بليغ ومؤثر له صلة بالسياسة جاء فيه أن هذا الرجل لو مات بين ذويه وأبناء جلدته لما لقي مثل هذا التشييع والتكريم، نهض الشيخ عمر دفع الله وهتف بحياة مصر وسقوط الإنجليز، ونادى بصوت جهوري:
“من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل معي: لتحيا الأمة المصرية، ليحيا الاستقلال التام لمصر والسودان، ليحيا الاستقلال التام لوادي النيل”. فردد الحاضرون هتافه بحماسة وقوة، وساروا في مظاهرة صاخبة تحركت من المقبرة إلى أم درمان حيث طافت بسوقها واستمرت إلى مغيب الشمس. وقبض على الشيخ عمر دفع الله وحكم عليه بالحبس ستة أشهر عقاباً له على خطبته وتزعمه لتلك المظاهرة. و في اليوم التالي ألقى الشيخ حسن الأمين الضرير إمام جامع الخرطوم خطبة هاجم فيها بريطانيا وسياستها تجاه مشروع الجزيرة، وذكر المصلين بأن واجب كل مسلم أن يتمسك بحقوق مصر في السودان.
و في ٢٣ يونيو ١٩٢٤، تحركت أول مظاهرة تنظمها الجمعية في الخرطوم من جوار الجامع الكبير متجهة إلى المحطة الوسطى حاملة علم الجمعية ومرددة شعاراتها المعروفة المتمثلة في استنكار واستهجان السياسة البريطانية في السودان وتأييد مصر وزعيمها سعد زغلول والدعوة لوحدة وادي النيل. وتصدى البوليس المسلح بالعصي لتلك المظاهرة وفرقها بعد أن ألقى القبض على قادتها.
و ازداد نشاط أعضاء الجمعية بصورة ملحوظة بعد ذلك فأخذوا يوزعون المنشورات في السوق ويضعون الملصقات على الدكاكين والمقاهي والأعمدة، ونظموا بعض المظاهرات التي امتدت من الخرطوم وأم درمان لتصل إلى مدن السودان المختلفة لاسيما بورتسودان وعطبرة وشندي ومدني وكوستي والأبيض وملكال.
وكانت تلك المظاهرات كثيراً ما تقوم دون سابق تنظيم، وتحمل علم الجمعية وتردد الهتافات العالية المعروفة مثل: فلتحيا مصر وليحيا ملك مصر والسودان وليحيا سعد زغلول، وكان بعض المتظاهرين يقومون أحياناً، بقذف البوليس والمحلات التجارية بالحجارة. وأصبحت شعارات الجمعية على ألسنة الجميع حتى تلاميذ المدارس. ولجأت السلطات السودانية آنذاك إلى أسلوب القمع فقامت باعتقال من تبقى من أعضاء الجمعية خارج السجن وكان من بين المعتقلين علي عبد اللطيف رئيس الجمعية الذي أُلقي القبض عليه في ٤ يوليو ١٩٢٤م وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، مع الأعمال الشاقة، بتهمة التحريض على الثورة.
و بسجن علي عبد اللطيف وانتقال قيادة اللواء الأبيض لعبيد حاج الأمين انقضى عهد الكفاح عن طريق العرائض والمظاهرات السلمية والاحتجاجات، وساد جو عام من المقاومة والتحدي والمواجهة. لم يقف ضباط الجيش السودانيين بمعزل عن تطورات الحركة الوطنية في السودان، فقد كان بعضهم على صلة وثيقة سواء أكان بجمعية الاتحاد السوداني أو اللواء الأبيض، وإن تم اتصالهم وانخراطهم في العضوية بصفة فردية وسرية. ولما تطورت الأحداث بتلك الصورة وجد الجيش نفسه منحازاً لصف الوطنيين المتطرفين من رجال الحركة الوطنية.
مظاهرات المدرسة الحربية
و في صباح يوم السبت الموافق ٩ أغسطس ١٩٢٤م، خرجت أول مظاهرة عسكرية قام بها طلبة المدرسة الحربية بالخرطوم احتجاجاً على الطريقة التي اتُبِعت في منح الشهادات لمتخرجي المدرسة بالمقارنة بالطريقة المتبعة في المدرسة الحربية بالقاهرة، وإبداءً لمعارضتهم لمشروع الجزيرة، وللمساعي التي ترمي لفصل السودان عن مصر وتجزئة وادي النيل والتجريح باسم جلالة الملك في محكمة جنايات الخرطوم، وتعبيراً عن تأييدهم لجمعية اللواء الأبيض، واحتجاجاً على اعتقال علي عبد اللطيف.
و خرج المتظاهرون من طلبة المدرسة الحربية بالخرطوم والبالغ عددهم واحداً وخمسين طالباً، في زيهم العسكري ومسلحين بالبنادق والحراب ومعهم شيء من الذخيرة، ويحملون علماً أخضر كبيراً، هو العلم المصري، واتجهوا نحو محطة سكة حديد الخرطوم كي يراهم المسافرون وينقلوا أخبار المظاهرة إلى أقاليم السودان المختلفة. ومن هناك اتجه المتظاهرون إلى منزل علي عبد اللطيف، الذي كان معتقلاً بسجن كوبر، وأدوا التحية العسكرية أمام منزله وسط جمع كبير من الجمهور الذي كان يتابعها مصفقاً وهاتفاً.
واتجهت المظاهرة بعد ذلك صوب سجن الخرطوم بحري. وكان المتظاهرون يسيرون بنظام ويهتفون “بحياة مصر والسودان واستقلال وادي النيل وحياة ملك مصر والسودان وحياة سعد”. ورأت السلطات السودانية أن من الحكمة عدم التعرض للمتظاهرين ماداموا يسيرون بهذا النظام. وواصل المتظاهرون مسيرتهم عبر شوارع الخرطوم وهددوا بإطلاق النار إذا حاول أحد أن يجردهم من أسلحتهم حتى وصلوا إلى سراي الحاكم العام حيث توقفوا هناك وأخذوا يهتفون بحياة سجناء الجمعية، وحياة مصر والسودان، وسقوط الإنجليز. ومن هناك ساروا هاتفين إلى سجن كوبر بالخرطوم بحري وأدوا التحية العسكرية لسجناء اللواء الأبيض هناك ثم قفلوا راجعين إلى ثكناتهم بالخرطوم.
وعند دخولهم الثكنات وجد المتظاهرون أن المخازن قد جُردت أثناء فترة غيابهم من الأسلحة والذخيرة، وأن المدرسة قد طوقت بقوات بريطانية مطالبة إياهم بتسليم أسلحتهم. وتأزم الموقف وكادت أن تحدث مصادمات مسلحة بين الطرفين عندما رفض المتظاهرون تسليم أسلحتهم مالم ترد إليهم الذخائر وهددوا باستعمال السلاح إذا استُخدمت معهم القوة.
وهنا تدخل بعض الضباط السودانيين مثل أحمد عقيل وبلال رزق وعبد الله خليل، وأولياء أمور بعض الطلبة فأقنعوهم بتسليم أسلحتهم فسلموها في المساء دون وقوع أي حادث، وبدون أي شروط أو ضمانات.
وفي صباح اليوم التالي أُلقي القبض على أربعة من صف الضباط وسبعة من الطلبة الآخرين الذين تزعموا المظاهرة دون وقوع أي حادث وحبسوا في انتظار محاكمتهم بمجلس عسكري عادي، بينما حُجز بقية الطلاب بالمدرسة. وقُدم المتظاهرون فيما بعد، في ٢٢ / ٨ إلى المحاكمة بتهمة الاشتراك في فتنة لعدم إطاعتهم وانصياعهم للأوامر والسلطات العسكرية ومقاومتهم لها، وحكم على بعضهم بالسجن لفترات تتراوح بين أربع وثماني سنوات.
مظاهرة أورطة السكة حديد بعطبرة
و في نفس اليوم الذي قامت فيه مظاهرة المدرسة الحربية بالخرطوم، خرجت أورطة السكة حديد المصرية بمدينة عطبرة في مظاهرة تهتف بوحدة مصر والسودان. ولم يكن المتظاهرون يحملون أسلحة وانضم إليهم بعض المدنيين. وتمكنت فصيلتان من الجيش البريطاني، وصلتا من شندي، من السيطرة على الموقف بعد أن تسبب المتظاهرون في إتلاف مباني السكك الحديدية وورش الصيانة.
و عندما تم استدعاء قوات بريطانية وسودانية قامت بمحاصرة المتظاهرين الذين حاولوا اختراق الطوق المضروب عليهم على دفعتين، ولكنهم ردوا بأعقاب البنادق. ولما حاولوا مرة أخرى أن يشقوا طريقهم بالقوة أمر ضابط أحد الجنود بإطلاق النار في الهواء تهديداً للمتظاهرين فظن الجنود أن ذلك أمر بالضرب فأطلقوا النار فقتلوا في الحال أربعة وأصابوا تسعة عشر آخرين كلهم من المصريين بإصابات خطيرة.
و بعد السيطرة على الموقف تماماً، أصدر الحاكم العام أمراً بحل الأورطة، وتم إبعاد رجالها من السودان إلى أسوان في سبتمبر ١٩٢٤م. واستعاضت مصلحة السكة حديد بعمال الدريسة الذين حلوا محل الأورطة المبعدة.
امتداد المظاهرات إلى الأقاليم
وامتدت المظاهرات إلى الأورط الأخرى في أقاليم السودان المختلفة فشملت ملكال حيث قامت الأورطة السودانية ١٢ ج المعسكرة هناك في ٢١ سبتمبر بمظاهرة غير مسلحة، اشترك فيها بعض الضباط المصريين وهتفوا بحياة السودان ومصر والملك فؤاد وسعد زغلول. كما احتج الضباط السودانيون والمصريون في الأورطة ١٣ ج في مدينة واو، بتاريخ ١٥ ديسمبر على عدم رفع العلم المصري الأخضر بدلاً من العلم الأحمر السابق، فنُقل بعضهم ووُبخ البعض الآخر.
و في الأبيض اشترك الهجانة في المظاهرات هناك، كما ثارت الأورطة ١٠ ج في تلودي بجبال النوبة واستولت على المدينة مؤقتاً، وتمكنت الحكومة من السيطرة على الموقف بعد جهد طويل.
مقتل السير لي ستاك وتصاعد التوتر
وسط هذه الأجواء السياسية المضطربة في السودان اغتيل في القاهرة في ١٩ نوفمبر ١٩٢٤م، السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم عام السودان. وحاولت الصحف المصرية المؤيدة لحزب الوفد إبعاد المسؤولية عن المصريين، وأوحت بأن الجناة لابد أن يكونوا سودانيين مشيرة إلى أنهم فعلوا ذلك لتوضيح ارتباطهم بمصر وتفضيلهم لها على بريطانيا.
وثارت الحكومة البريطانية لمقتله واتهمت سعد زغلول بتهييج الشعور المصري الوطني ضد بريطانيا وحملته ووزارته مسؤولية الحادث، واتخذت منه ذريعة لتنفيذ السياسة التي ظلت حكومة السودان تسعى لتنفيذها طوال العامين السابقين ألا وهي طرد المصريين المدنيين والعسكريين من السودان لاتهامهم بإثارة الفتن والاضطرابات وفصل السودان عن مصر. وطالبت الحكومة البريطانية في الإنذار الأول الذي وجهه المندوب السامي البريطاني في ٢٢ نوفمبر ١٩٢٤م، لسعد زغلول، رئيس الوزارة آنذاك، من الحكومة المصرية تنفيذ المطالب التالية:
* أن تقدم اعتذاراً كافياً وافياً عن الجناية.
* أن تتابع بأعظم نشاط، وبدون مراعاة للأشخاص، البحث عن الجناة وأن تنزل بالمجرمين أياً كانوا ومهما تكن سنهم أشد العقوبات.
* أن تمنع من الآن فصاعداً، وتقمع بشدة، كل مظاهرة شعبية سياسية.
* أن تدفع في الحال إلى حكومة حضرة صاحب الجلالة غرامة قدرها نصف مليون جنيه.
* أن تصدر في خلال أربع وعشرين ساعة الأوامر بإرجاع جميع الضباط المصريين ووحدات الجيش المصري البحتة من السودان مع ما ينشأ من ذلك من التعديلات التي ستعين فيما بعد.
* أن تبلغ المصلحة المختصة أن حكومة السودان ستزيد مساحة الأطيان التي تزرع في الجزيرة من ٣٠٠,٠٠٠ فدان إلى مقدار غير محدود تبعاً لما تقتضيه الحاجة.
* أن تعدل عن كل معارضة لرغبات حكومة جلالة الملك في الشؤون المبينة بعد، المتعلقة بحماية المصالح الأجنبية في مصر.
و إذا لم تلب هذه المطالب في الحال، تتخذ حكومة حضرة صاحب الجلالة على الفور التدابير المناسبة لصيانة مصالحها في مصر والسودان.
ووافق سعد زغلول على قبول المطالب الأربعة الأولى، ولكن إصرار وتصميم الحكومة البريطانية على قبوله الكلي والمطلق لجميع المطالب الواردة في الإنذار دفعه لتقديم استقالته. ومن الواضح أن النية كانت مبيتة من قبل لإملاء تلك الشروط القاسية على الحكومة المصرية ولم يكن حادث اغتيال السير لي ستاك إلا الذريعة التي كان ينتظرها المندوب السامي البريطاني لتنفيذ مخططات بريطانيا الاستعمارية في كل من مصر والسودان.
وفي نفس اليوم الذي قبلت فيه استقالة سعد، أي في ٢٤ / ١١ / ١٩٢٤م تشكلت وزارة مصرية جديدة برئاسة أحمد زيور باشا رئيس مجلس الشيوخ، الذي عُرف بولائه للقصر ورضوخه للإنجليز. وقبلت وزارة زيور باشا بالمطالب البريطانية جميعها وعلى رأسها جلاء الجيش المصري عن السودان وطرد الموظفين المصريين منه، وصدرت التعليمات من السلطات البريطانية إلى وحدات الجيش المصري بالجلاء عن السودان والانسحاب إلى مصر.
الصدام المسلح وحركة المقاومة
و أصدر الجنرال هدلستون باشا القائم بأعمال الحاكم العام والسردارية بالإنابة، أمراً كتابياً إلى رؤساء وحدات الجيش المصري برحيل الضباط المصريين إلى مصر بأسلحتهم ولكن بدون ذخيرة. واحتج الضباط والجنود المصريون على هذا الأمر ورفضت المدفعية بقيادة القائمقام أحمد بك رفعت والأورطة ٣ مشاة بقيادة محمد بك يحيى باشا تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم بمغادرة البلاد، وأعلنوا أنهم لن يغادروا البلاد مالم يتسلموا أمراً مباشراً من وزير الحربية المصري يأمرهم بالجلاء عن السودان.
و عندما قام الجنود الإنجليز بمحاصرة ثكنات الجيش المصري، وحاولوا الاستيلاء على ذخيرته، ردهم عنها الضباط والجنود المصريون وامتنعوا في ثكناتهم ورفضوا السفر. وتمكن جنود المدفعية المصرية من الاستيلاء على الذخيرة من منفذ بالمخزن لم يعلم به الإنجليز، فخلقوا بذلك وضعاً جديداً جعل السودانيين متفائلين بتطور الموقف لصالحهم. وأشيع بأن القائمقام أحمد رفعت قد هدد بضرب القوات البريطانية إن هي حاولت الاقتراب، وأن الضباط المصريين قد اتفقوا مع الضباط السودانيين وأكدوا لبعضهم البعض أن يبدأ السودانيون بالثورة بالخرطوم.
وعندما قررت الفرق السودانية بالخرطوم وأم درمان وتلودي القيام بمظاهرات تعاطفاً وتضامناً مع القوات المصرية واستعداداً لشق عصا الطاعة على الإنجليز؛ كما تمرد وأضرب في الفترة ما بين ١٩ و ٢٩ نوفمبر المسجونون السياسيون وطلاب المدرسة الحربية المحتجزون بالسجن العمومي بالخرطوم بحري. وقرر عدد من الضباط وصف الضباط السودانيين الذين كانوا بمدرسة ضرب النار بالخرطوم، التضامن مع إخوانهم المصريين والانضمام إلى الجيش المصري بالخرطوم بحري. وانضم إليهم فصيلة من ضباط ١١ ج أورطة سودانية لتحقيق هذه الغاية.
وفي أصيل يوم الخميس ٢٧ نوفمبر تحركت فصيلتان من الأورطة الحادية عشرة السودانية كانتا قد نُقلتا من أم درمان إلى الخرطوم لتقوما بالحراسة بعد جلاء القوات المصرية، بقيادة الملازم أول عبد الفضل الماظ والملازم ثاني سيد فرح، قاصدتين الخرطوم بحري لتحولا دون إخراج الجنود المصريين من ثكناتهم. وعند وصولهما لمدرسة ضرب النار بالخرطوم انضم إليهما الملازم أول سليمان محمد والملازم ثاني ثابت عبد الرحيم والملازم ثاني علي محمد البنا من الأورطة الثانية عشرة السودانية، وكذلك الملازم ثاني حسن فضل المولى من مدرسة ضرب النار.
واقتحموا مخزن الذخيرة وأخذوا منه أربعة مدافع مكسيم نكرز، وعدداً من صناديق الجبخانة، ثم توجهوا إلى السوق لمواصلة مسيرتهم والانضمام إلى القوات المصرية بالخرطوم بحري. ولما علم هدلستون باشا بهذه التطورات الخطيرة أمر القوات البريطانية بمعسكرات بري والخرطوم بحري بالتصدي للقوة السودانية والحيلولة دون انضمامها للقوات المصرية.
و قامت القوات البريطانية بسد كافة المنافذ والطرق أمام القوة السودانية. وعندما لم تجد محاولات الكولونيل مكاون، ضابط الاحتياط البريطاني، في إثناء الضباط السودانيين عن عزمهم توجه إليهم الجنرال هدلستون بنفسه وطلب منهم الرجوع إلى ثكناتهم ولكنهم رفضوا ذلك بعناد.
وعندما قفل هدلستون راجعاً أمر القوات البريطانية بإطلاق النار من جميع المدافع، وردت القوة السودانية، التي تحصنت داخل جدول كبير أُعد لتصريف المياه، بالمثل فقتل منهم عدد كبير وقتل ثلاثة ضباط من الجانب البريطاني. واستمر تبادل إطلاق النار بين الطرفين حتى الساعة العاشرة مساء حيث انكسرت شوكة الثوار ولحقت بهم الهزيمة، بعد أن تناقصت ذخيرتهم وكادت أن تنفد. وعندها اقتحم عبد الفضل الماظ وبرفقته عدد من الجنود السودانيين مستشفى الجيش المصري آنذاك حيث حصلوا على بعض الذخيرة وتحصنوا بمبانيه.
وفي فجر اليوم التالي ٢٨ / ١١ شرعت القوات البريطانية في البحث عن الثوار. وما إن تقدمت صوب مباني المستشفى العسكري حتى أمطرها الثوار بوابل من نيران بنادقهم فقتلوا وأصابوا عدداً من الضباط والجنود البريطانيين.
و احتمى بعض الثوار بميس الضباط المصريين وأبدوا مقاومة ضارية أفشلت كل محاولات القوات البريطانية لدحرهم والقضاء على مقاومتهم. وعندما لم تفلح القنابل اليدوية ونيران المدافع الرشاشة في دحر الثوار أحضرت القوات البريطانية المدفع الوحيد الثقيل الموجود بالحامية وقذفت منه ثلاثين قنبلة في محيط مائة ياردة، وتحركت لاقتحام المبنى الذي ظنت أنه قد دُمر. ولكن فشلت محاولتهم ورُدوا على أعقابهم بعد أن فقدوا خلالها الكثير. وبعد ساعات متململة من الضرب بالقنابل تمكنت القوات البريطانية من الوصول إلى مبنى المستشفى العسكري بعد أن هدته على رؤوس الثوار. وكان من بين القتلى عبد الفضل الماظ الذي وُجد ممسكاً بمدفعه بكلتا يديه، وأربعة عشر ضابطاً وثلاثة عشر جندياً.
وانتهت بذلك المعركة وانطفأت جذوة الثورة من جانب الفرقة الحادية عشرة السودانية. وأعقبت ذلك حركة مطاردات واعتقالات لكل الثوار أو من اشتبه بأنه منهم.
نهاية الثورة والمحاكمات
و في نفس اليوم الذي انكسرت فيه شوكة المقاومة السودانية أي في يوم ٢٨ / ١١، وصل إلى الخرطوم على متن طائرة حربية البكباشي أمين هيمن يحمل الرسالة التي بعث بها وزير الحربية المصري صادق يحيى باشا إلى ضباطه وجنوده بالسودان يأمرهم فيها بالكف عن مقاومة الإجراءات التي اتخذها نائب حاكم السودان العام، والإذعان للأمر بسحب الجيش المصري من السودان. وأبلغ المبعوث الضباط بالرسالة وأخبرهم أن الملك يأمرهم بالانسحاب، فأذعن الضباط والجنود للأمر آسفين محزونين، وجلا الجيش المصري عن السودان في ٢٩ و ٣٠ نوفمبر، وأول وثاني ديسمبر ١٩٢٤ م.
وأصيب الكثير من رواد الحركة الوطنية السودانية آنذاك بخيبة أمل كبيرة عند انسحاب الجيش المصري الذي مناهم، كما يقول البعض، بالدعم والمساعدة في حالة قيامهم بالثورة ضد الإنجليز، ورأوا في ذلك الانسحاب بتلك الصورة جبناً وخيانة.
وفي شهر ديسمبر من نفس العام قدم أربعة من الضباط الذين قادوا الثورة، وهم حسن فضل المولى، ثابت عبد الرحيم، سليمان محمد وعلي البنا إلى المحاكمة بتهمة التحريض على العصيان أمام محكمة عسكرية كبرى عُقدت بالخرطوم وقضت المحكمة بإعدامهم جميعاً رمياً بالرصاص. ونُفذ الحكم في الثلاثة الأول في ٥ ديسمبر، أما الرابع وهو علي البنا فقد عُدل له حكم الإعدام بالسجن المؤبد لأن رجال المخابرات أوضحوا بأنه كان يمدهم بمعلومات عن الحوادث التي وقعت في ملكال.
أما الملازم ثاني سيد فرح والذي حُكم عليه بالإعدام غيابياً فقد تمكن، رغم الجراح التي أُصيب بها في صدام ٢٧ / ١١ المسلح ضد القوات البريطانية، والجائزة المالية الكبيرة التي رُصدت لمن يقبض عليه، من الهرب إلى مصر ودخل في خدمة الحكومة المصرية.
و تؤكد المصادر التاريخية المتداولة أن الثوار قد استقبلوا الموت بشجاعة فائقة وبطولة نادرة، وكانت آخر كلمة لكل منهم قول: “لهذا الشرف عملت، وفداءً للوطن ولدت، وللوحدة المصرية السودانية جاهدت”. وقد حُكم على بقية المعتقلين السياسيين الذين استُعملت معهم ضروب القسوة والمهانة والتعذيب في سجونهم، بالسجن لفترات متفاوتة تتراوح بين أربع وعشر سنوات.
و أحكمت بذلك بريطانيا قبضتها على السودان، وأعلن السير جفري آرثر، حاكم السودان العام الجديد، في يناير ١٩٢٥م عن إنشاء “جيش دفاع السودان” ليحل محل الجيش المصري، ويدين أفراده بالولاء لحاكم عام السودان، ويستوعب فيه الضباط السودانيين ذوي الجدارة الذين كانوا يعملون بالجيش المصري. وكان في إنشاء جيش دفاع السودان بتلك الصورة وفي تلك الظروف والملابسات حذف كامل للوجود المصري الفاعل بالسودان عن مصر.
وف ي ٢٩ / ٢ / ١٩٢٥م قدم رئيس وأعضاء جمعية اللواء الأبيض إلى محكمة كبرى مشهورة عُقدت بكوبر بالخرطوم بحري، بتهمة التآمر لإرهاب الحكومة بالقوة الجنائية، والانتماء إلى جمعية غير قانونية، والترويج والقيام بمظاهرات وإثارة الكراهية والتحريض والازدراء ضد الحكومة المؤسسة شرعاً، وبث روح الحقد والعداوة بين طبقات الأهالي ضدها.
و صدر الحكم بسجن علي عبد اللطيف سبع سنوات وصالح عبد القادر سنتين، وعبيد حاج الأمين ثلاث سنوات، وحسن شريف سنتان. كما حُكم على أعضاء الجمعية الآخرين بالسجن لفترات متفاوتة تتراوح بين ستة أشهر وسنة. ثم رأت المحكمة نفي علي عبد اللطيف ومحمد عثمان البخيت وعبيد حاج الأمين إلى واو. وبقي هؤلاء نحو عشرين عاماً بالمنفى مات خلالها عبيد حاج الأمين وعاد منها علي عبد اللطيف بعلة أودت بحياته في مصر في ٢٩ أكتوبر ١٩٤٨م.